قرَّرَ إيميل سيوران كتابةَ كتابهِ مثالب الولادة بعد جملة قالتها له أمُّهُ حين كان يتذمّرُ من هذه الحياة وقسوتها، فقالت له أمُّهُ: "لو كنت علمت ذلك لأجهضتك"، فيقول سيوران: "لقد أصابتني هذه الكلمات بهلع ميتافيزيقي وبإهانة وجودية، وألهمتني تأليف كتاب مثالب الولادة"، وقد استطاع سيوران في كتابه هذا أن يتجرّأ على كلِّ المسلّمات واليقينات والحقائق التي يعتبرها كثير من البشر حقائق بحسب انتماءاتهم الدينية والعقائدية والأدبية، وأكَّد أن المسلّمات التي يهدأ البشر بتصديقها ليست خارج إطار النقد والبحث والتعرّض لها لكشف مدى مصداقيتها، فتناول الأدب والأديان والشعر والتصوّف والسينما ولم يسلم منه الرسم والموسيقى أيضًا.
وقد عبَّر سيوران في مثالب الولادة عن كرهه لفرنسا وحقده عليها، هذا البلد القذر على حد تعبيره، الذي لا يحب سيوران منه إلا مقابره الريفية، وقد استطاع سيوران أيضًا أن يوجِّهَ الكثير من السخرية الموجعة من هذا الوجود السخيف، ولكنّه كان ساخرًا لا مباليًا بهذا الوجود أبدًا، ومما قاله في كتابه هذا: "أنا لا أفعل شيئًا، ولكنني أنظر إلى الساعات كيف تمضي، وهذا أفضل من أن أسعى إلى تأثيثها"، وقد أكّد سيوران في كتابه هذا تمرُّدَهُ على الفطرة البشرية أيضًا حين قال: "اقترفت كل الجرائم، باستثناء أن أكون أبًّا، علينا نسيان أن نولد"، ولذلك كانَ سيوران رافضًا للكذبة الكُبرى بحسب قولِهِ، وهي الوجود. والخلاصة أن سيوران استطاع أن يقلبَ ويغيِّرَ في نظرة الناس للأسئلة الوجودية التي تدور في عقولهم، ولم يظهر لها احترام البشر المعهود بل استطاع أن يقف موقف الساخر منها، مع أنَّها تعدُّ شغلَ البشر الشاغل منذ الأزل.
نبذة عن إميل سيوران
هو كاتب وفيلسوف شهير من رومانيا، وُلِدَ عام 1911م في قرية تُسمى "راسيناري" وهي قرية من قُرى ترانسيلفانيا الرومانية، والتي كانت تحت سيطرة الامبراطورية النمساوية المجرية آنذاك، وقد كانَ والد سيوران قسًّا أرثوذكسيًّا في نفس القرية، وأمُّهُ كانَت بعيدةً بعض الشيء عن كلِّ ما يتعلّق بالأديان واللاهوت وكثيرة الشك في هذه المعتقدات، وقد سافر سيوران إلى "سيبيو" وهي مدينة مجاورة لمدينته عام 1921م وهو ابن عشر سنوات، قبل أن ينتقل أيضًا إلى "بوخارست" ليدرس الفلسفة هناك وفي بوخارست تعرّضت سيوران لبدايات مرض الأرق الذي لازَمَهُ وكاد أن يدفع به إلى الانتحاء ولكنَّه حول اليأس إلى عمل أدبي عظيم بعنوان "على ذرى اليأس" نشره سنة 1934م.
انتقل سيوران إلى برلين، حيث عمل بتدريس الفلسفة في معهد براسلوف، وقد نشر كثيرًا من كتبه وأهمها كتابه "دموع وقديسين" عام 1937م ونشر كتابه "رسالة في التحلل" عام 1949م وكتابه مثالب الولادة أيضًا، وقد ظهرت الكثير من الدلائل في أيام حياته على ارتباطه بالحزب النازي الألماني وبهتلر شخصيًّا، ولكنَّه كان ينكر هذه الصلة ويبرر هذه الارتباطات في أحيان أخرى بالطيش وقلة النضج، ولكنَّ ما نُشر بعد موتِهِ فضح تلك العلاقات بينه وبين النازيين التي كانت أيامات الحرب العالمية الثانية وما قبلها، وقد تُوفِّي إميل سيوران عام 1995م ودُفِنَ في باريس.