مؤسسة قطر تسلّط الضوء على سبل دعم الطلاب ذوي التوحّد في أوقات الأزمات
شكّل التحوّل المفاجئ إلى نظام التعلّم الافتراضي في قطر تحديًا للروتين الذي دأب عليه العديد من الطلاب من ذوي التوحّد؛ لكنه في الوقت ذاته أتاح لهم فرصًا جديدة لتطوير سبل دعم احتياجاتهم. فمن البيئات المنزلية ذات التحفيز الحسي المنخفض، إلى تعزيز التعاون بين الأسرة والمدرسة، أسهمت هذه التجربة في تشكيل مقاربات تعليمية أكثر مرونة وشمولًا.
وفي هذا الصدد، قالت لولوة الدرويش، مساعدة مدير أكاديمية ريناد، التابعة للتعليم ما قبل الجامعي في مؤسسة قطر: "أثّر التعلّم عبر الإنترنت بشكل كبير على روتين الطلاب ذوي التوحّد الذي يمنحهم شعورًا بالأمان. فالانتقال المفاجئ من المدرسة إلى المنزل سبب حالة من عدم الوضوح، خاصة لمن يعتمدون على الجداول البصرية والتنظيم والتوقعات الواضحة".
ومع ذلك، تضيف الدرويش "بالنسبة لبعض الطلاب، ساعد التواجد في بيئة منزلية مألوفة على تقليل الضغط الحسي، كما أتاح لهم التعلّم بوتيرة أكثر مرونة - وهذا ما يظهر أهمية وجود نظام واضح ومنظّم، حتى في بيئات التعلّم الافتراضية".
كما أوضحت أن الاتساق والقدرة على التنبؤ عنصران أساسيان لدعم التنظيم العاطفي، مشيرة إلى أن استراتيجيات، مثل الجداول البصرية، وروتين الحصص الواضح، والمهام القصيرة والمنظّمة ذات التوقعات المحددة والقابلة للتحقيق، علاوة على نظم التواصل المألوفة، أثبتت فعاليتها بشكل كبير.
وأضافت: "لعب التنظيم المشترك مع شخص بالغ موثوق به – وغالبًا ما يكون أحد الوالدين – دورًا محوريًا في هذا الاتجاه. وقد أظهرت الأسر في قطر قدرة لافتة على التكيّف، إذ أصبحت شريكًا في العملية التعليمية، على اعتبار أن ملاحظاتها تسهم بشكل كبير في تصميم أساليب تناسب احتياجات كل طفل. وقد أكدت هذه المرحلة أن تمكين الأسر ودعمها ينعكس إيجابًا على النتائج التعليمية".
من جانبه، شدّد الدكتور عبود بابكر التوم، استشاري طب الأطفال النمائي في سدرة للطب، عضو مؤسسة قطر، على أهمية دور أولياء الأمور، موضحًا أنهم يضطلعون بدور مزدوج يتمثل في الدعم العاطفي والمشاركة في تسهيل عملية التعلّم.
ولفت إلى أنه "يمكن لأولياء الأمور والمعلمين العمل معًا لإيجاد حلول مناسبة للتحديات الدراسية والسلوكية. ويساعد التواصل المستمر في تعديل الدروس وفقًا لحالة الطفل واحتياجاته ومستوى تفاعله".
كما أن تنسيق الحصص في بيئة منزلية هادئة، مع تقليل المشتتات، مثل الضوضاء والإضاءة، يفضي إلى خلق أجواء أكثر تركيزًا وراحة. وأضاف في هذا الإطار: "يسهم تعاون الأسرة والمدرسة في وضع استراتيجيات تناسب كل طفل، ويضمن استمرارية الدعم بين المنزل والمدرسة، مما يساعد على متابعة وتعزيز صحة الطفل النفسية خلال التعلّم عن بُعد".
ومع العودة إلى التعلّم الحضوري، قد تواجه هذه الفئة من الطلاب بعض التحديات ذات الصلة بإعادة التكيّف مع البيئة الصفية. وأشار الدكتور التوم إلى أن هذه المرحلة قد تترافق مع زيادة في القلق أو بعض الصعوبات السلوكية، إلا أن توفير استراتيجيات دعم مناسبة من شأنه أن يعزز قدرة الطلاب على استعادة ثقتهم والتكيّف بنجاح. كما أضاف أن تجربة التعلّم عن بُعد كشفت عن فوائد نفسية عدة يمكن الاستفادة منها مستقبلًا.
وقال: "ساعد التعلّم في المنزل على تقليل المثيرات الحسية، مما جعل الأطفال يشعرون براحة أكبر وقلق أقّل. كما أتاح لهم التعلّم بالوتيرة التي تناسبهم، فزاد تفاعلهم مع المحتوى. وأسهم استخدام التكنولوجيا في تعزيز استقلاليتهم في التعلّم والتواصل مع المعلمين، بينما وفّرت مرونة التعلّم عن بُعد فرصًا أفضل لإدارة مشاعرهم وطاقتهم. وبشكل عام، أتاح التعلّم عبر الإنترنت مساحة أكبر للإبداع والتعبير بطرق متنوعة".
واستشرافًا للمستقبل، شدّدت الدرويش على أهمية تطوير مناهج ونظم تعليمية تجمع بين المرونة والتنظيم لدعم الطلاب من ذوي التوحّد في أوقات الاضطراب.
وقالت: "نحتاج إلى بيئات تعليمية تركّز على الوضوح والاستقرار وتلبية احتياجات كل طالب بشكل فردي. إن التعاون مع أولياء الأمور، وتدريب المعلمين، وتوفير أدوات رقمية سهلة، يبقى من الأمور الأساسية. كما يجب الاستعداد الجيد لضمان انتقال سلس للروتين وطرق التواصل والدعم بين مختلف البيئات".
وخلصت إلى القول إن "هدفنا هو بناء بيئات تعليمية مرنة وشاملة قادرة على التكيّف دون المساس برفاه الطلاب من ذوي التوحّد."
ويأتي هذا التركيز على سهولة الوصول وتكامل الدعم ضمن جهود أوسع تبذلها مؤسسة قطر، حيث أطلقت مؤخرًا "ملتقى مجتمع التوحّد"، المنصة الرقمية الموحدة التي توّفر دعمًا متكاملاً يجمع بين الخدمات والموارد والخبرات.
وتُعد هذه المنصة المرحلة الأولى من استراتيجية طويلة المدى للتوحّد، وتتيح للأسر والمتخصصين في قطر الوصول إلى الرعاية والتوجيه المنظم بسهولة ويسر.
يمكن الاطلاع على المنصة عبر الرابط: https://www.qf.org.qa/ar/community/autism
خلفية عامة
مؤسسة قطر
تأسست مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع سنة 1995 بمبادرةٍ كريمةٍ من صاحب السموّ الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير دولة قطر بهدف تنمية العنصر البشري واستثمار إمكاناته وطاقاته.
توجّه مؤسسة قطر اهتماماتها إلى ثلاثة مجالات هي التعليم والبحث العلمي وتنمية المجتمع، كونها ميادين أساسية لبناء مجتمع يتسم بالنمو والإستدامة، وقادر على تقاسم المعارف وابتكارها من أجل رفع مستوى الحياة للجميع. تُعد المدينة التعليمية أبرز منجزات مؤسسة قطر وتقع في إحدى ضواحي مدينة الدوحة، وتضمّ معظم مراكز المؤسسة وشركائها.