كيف تحسن مملكة البحرين استثمار المليارات العشرة؟

تاريخ النشر: 26 يوليو 2011 - 03:00 GMT
البحرين في أمس الحاجة إلى التعامل بحذر وإنفاق المنحة التي منحها إياها مجلس التعاون الخليجي في شهر مارس الماضي فيما فيه مصلحة البلاد
البحرين في أمس الحاجة إلى التعامل بحذر وإنفاق المنحة التي منحها إياها مجلس التعاون الخليجي في شهر مارس الماضي فيما فيه مصلحة البلاد

لم تعلن مملكة البحرين حتى الآن الكيفية التي ستنفق بها المليارات العشرة من الدولارات التي منحها مجلس التعاون الخليجي للمملكة في شهر مارس الماضي. يعتبر الرئيس التنفيذي لمؤسسة روبيكو للشرق الأوسط دوجلاس هانسن لوك أنه يجب أن تعطى الفرصة لخبراء المال والأعمال حتى يقرروا الكيفية التي يجب أن تنفق بها هذه الأموال.

كتب الرئيس التنفيذي لـ "روبيكو" الشرق الأوسط دوغلاس هانسن يقول:

قبل أربعة أشهر من الآن، أعلنت دول مجلس التعاون الخليجي رصد مبلغ عشرين مليار دولار، في شكل صندوق يتولى تمويل سياسات التنمية في كل من مملكة البحرين وسلطنة عمان على مدى عشرة أعوام. ي

وم 10 مارس 2011، التقى وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي وتعهدوا في أعقاب اجتماعهم برصد المبلغ المذكور كما أن وزير خارجية دول الإمارات العربية المتحدة سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان أعلن أن مملكة البحرين وسلطنة عمان ستحصلان، كلا منهما، على مبلغ عشرة مليارات دولار على مدى الأعوام العشرة القادمة.

يمكن لمثل هذه المبالغ الضخمة أن تعطي دفعة قوية للاقتصاد في مملكة البحرين وتعزز معدلات النمو وتساهم في توفير فرص العمل وتعزيز استقرار البلاد، غير أننا لم نكد نسمع شيئا حتى الآن عن تاريخ وكيفية البدء في إنشاء هذا الصندوق الذي تعهد بتمويله مجلس التعاون الخليجي.

يقال إن تأخير الكشف عن تفاصيل هذه الحزمة إنما يعود إلى المخاوف التي تساور البعض حول الكيفية التي ستُنفق بها هذه الأموال وما إذا كانت مملكة البحرين تمتلك أي مشاريع اقتصادية كافية ومجدية. في إطار خطة الإنقاذ الاقتصادي التي أطلقت مؤخرا في الولايات المتحدة الأمريكية، بادرت الحكومة الفيدرالية إلى وضع برنامج خاص بالأصول المتعثرة والمرتبطة بأزمة الرهن العقاري سعيا لمساعدة المديرين والمسئولين التنفيذيين على مواصلة العمل.

في الإطار نفسه، يمكن أن يعهد بمبلغ المليارات العشرة، التي تعهدت دول مجلس التعاون الخليجي بمنحها لمملكة البحرين، إلى ثلة من الخبراء الماليين المستقلين، الذين يتمتعون بعقلية تجارية، حتى يسهروا على حسن استثمار هذه الأموال. إذا ما تم هذا الأمر واتفق على مثل هذا الخيار فإنه يمكن عندها إنفاق هذه الأموال في مملكة البحرين، وبالتعاون مع المقاولين المحليين، في القطاعات الاستراتيجية والصناعات المستقبلية، على أن تتم إدارة هذه الأموال والمشاريع بكل إتقان وبالاستناد إلى أرقى معايير الحوكمة الدولية.

إن الصندوق المقترح إنشاؤه يمثل نسبة 50% من الناتج الخام الداخلي في مملكة البحرين. وحتى إذا ما تم ضخ هذه الأموال بشكل متدرج يمتد إلى عشرة أعوام فإن الصندوق سيظل يمثل نسبة تتراوح ما بين ثلث ونصف برامج الإنفاق المالي الجديدة على المستوى الوطني في مملكة البحرين. بلغة الأرقام سوف يستثمر الصندوق المقترح إنشاؤه مبلغ عشرة آلاف ومائتي دولار (10,200 دولار) عن كل مواطن في مملكة البحرين. إذا ما تم ضخ كل هذه الأموال على عجل ومن دون أي تخطيط في الاقتصاد الوطني فإن ذلك قد يلهب معدلات التضخم ويؤثر سلبا على ميزان المدفوعات ويجعل أغلب المواطنين يدفعون أسعارا أعلى فيما تجني قلة فقط ثمار مثل هذه السياسة المالية.

في مثل هذه الحالة، سوف تتنامى المزاعم المتعلقة باستشراء الفساد والحيف وانعدام العدالة، ما قد يقوض الجهود الرامية إلى تنمية الاقتصاد وتحقيق الاستقرار اللازم. كيف يمكن تجنب هذا المآل؟

يجب توجيه الدعوة إلى أفضل المؤسسات ودور الخبرة المالية في العالم للمنافسة في المناقصات التي ستطرح لإدارة هذا الصندوق المقترح إنشاؤه - بشرط أن تتعهد هذه المؤسسات ودور الخبرة بتركيز عمليات مالية في مملكة البحرين حتى يجني الاقتصاد ثمار عائداتها. يجب أن يخصص لكل قطاع صناعي صندوق فرعي يتولى تسييره والإشراف على تشغيله مدير استثماري يشهد له بالكفاءة والخبرة في مثل هذه المجالات.

هكذا سوف تضرب مملكة البحرين عصفورين بحجر واحد.

فهي ستمتلك المال اللازم من أجل المضي قدما في تنمية اقتصادها المتنوع كما أنه سيتوافر لها الكفاءات والمعايير العالمية المطلوبة. تصوروا لو يتم استثمار هذه الأموال في قطاعات واعدة مثل الاتصالات والصناعات ذات القيمة المضافة والمشاريع الإسكانية التي تعتمد على التقنية الخضراء الصديقة للبيئة والبرامج الرامية إلى توفير سبل الحياة الصحية. تصوروا لو يتم استثمار هذه الأموال لتنمية مصادر الطاقة المتجددة وبعض الصناعات المستقبلية الأخرى، بما يمكن مملكة البحرين من تلافي النقص الذي تعانيه في مجال الإنتاج النفطي.

ثم لنبادر بعد ذلك بالاستعانة بأفضل الكفاءات العالمية وأكثرها خبرة وتمرسا من أجل العمل على تنمية الاقتصاد البحريني بأفضل السبل بما يضمن أفضل العوائد ويسهم في تعظيم الفوائد. إن مثل هذه المقاربة تنطوي على ثلاث فوائد مهمة كالتالي: 1- في صورة الاستعانة بالمديرين الأجانب فإن مملكة البحرين ستخرج أكبر مستفيد من خبرتهم المشهود بها عالميا في مجال حوكمة الشركات - في ظل وجود الحد الأدنى من تضارب المصالح - وهو ما سيساهم في تقليص نسبة الأموال المهدورة ويعزز من الجدوى. 2- ستتوافر في هؤلاء المديرين الأجانب الدافعية المطلوبة التي ستحفزهم وتجعلهم لا يدخرون جهدا في العمل على تحقيق الفائدة المرجوة. يجب على المشاريع الاستثمارية أن تحقق العوائد المالية المرجوة على المدى البعيد. 3- إن إلزام الشركات بتركيز عملياتها في البحرين من شأنه أن يعيد للمملكة مكانتها باعتبارها مركزا ماليا خليجيا مهما وموثوقا به.

إن الكُلفة السوقية للمديرين المختصين في إدارة الأموال الاستثمارية لا تتجاوز نسبة 1% إلى 2%، إضافة إلى نسبة من عائدات الأرباح عند نهاية العمل بالصندوق الاستثماري. قد تتوسع الخيارات وتتعزز البدائل لتشمل استثمارات مدارة خليجيا أو حكوميا كما تشمل هذه الخيارات والبدائل التعاطي مع الصندوق في شكل مساعدات على التنمية. يمكن أن تتولى الحكومة مهمة إدارة هذه الاستثمارات غير أن دوائرها وأجهزتها تعاني أصلا تراكم أعبائها، كما أن قلة منها فقط تمتلك الخبرة الاستثمارية اللازمة والمباشرة.

يمكن للدوائر الخليجية أن تتكفل بهذه المهمة وتتحمل هذه المسؤولية غير أنها ستواجه بدورها ذات المشاكل، فضلا عن أن مثل هذا الخيار سيحد من قدرة البحرين على التصرف في شؤونها الداخلية الخاصة. لذا فإن الحل الأمثل يتمثل في إدراج مبلغ 10 مليارات دولار في ميزانية الدولة العامة على أن تتم إدارته من خلال جهاز استثماري تتوافر فيه الكفاءة والخبرة اللازمتين، على غرار شركة ممتلكات البحرين القابضة (ممتلكات).

ستكون الدوائر الحكومية في هذه الحالة أيضا عرضة للمزاعم ذات الخلفية السياسية، التي تدعي انعدام العدالة واستشراء الفساد - سواء أكانت مثل هذه المزاعم صحيحة أم خاطئة. لذا فإنه قد ينظر إلى المديرين الاستثماريين الأجانب وأصحاب الخبرة والكفاءة على أنهم أطراف أكثر حيادية. أما التعاطي مع الصندوق على أنه يمثل حزمة من المساعدات فإنه قد يفرز نتائج سيئة لا ترقى إلى التوقعات.

إن المستقبل الذي تتطلع إليه مملكة البحرين يجعل من الأفضل العمل على إذكاء روح الابداع والابتكار وغرس عقلية المبادرة بدل تشجيع المواطنين على أن يظلوا يعيشون عالة على الدولة أو على الفتات الذي يأتيهم من بقية دول مجلس التعاون الخليجي. إذا اختارت مملكة البحرين أن تتعامل مع الأموال التي تم إعلانها على أنها مجرد مساعدات فإن ذلك سيجعلها مدينة لبقية الدول الخليجية. عندها لن تكون مملكة البحرين في وضع يسمح لها برفض إقامة المشاريع الفخمة التي لا طائل من ورائها والتي يتولى المقاولون الخليجيون تشييدها على أراضيها.

أما بلغة الاقتصاد فإن التعامل مع المليارات العشرة على أنها حزمة مساعدات من شأنه أن يتسبب في تشويه الحوافز. فما أن ينتهي برنامج المساعدات حتى يتضح للعيان عدم قدرة مملكة البحرين على المنافسة بكل كفاءة واقتدار.

إن ما تضطلع به الحكومة من واجب أمام مواطنيها يحتم عليها الاستفادة من هذه الفرصة المتاحة والتأكد من حسن استثمار المليارات العشرة حتى تحصل الفائدة المرجوة. إذا ما استثمرت هذه الأموال بكل إحكام فإن مملكة البحرين ستجني عائدات مستدامة مهمة وتتمكن من توفير فرص العمل اللازمة لأعوام قادمة. أما إذا أنفقت هذه الأموال من دون حرص أو عناية وأهدرت الفرصة فإن ذلك قد يتسبب في فقاعة التضخم المالي على المدى القصير، ما قد يحول دون تحقيق أي عوائد أو فوائد على المدى البعيد. هناك ما هو أسوأ.

إذا ما أسيء استثمار هذه الأموال فإن الحكومة ستجد نفسها عرضة للمزيد من الانتقادات، الأمر الذي قد يفتح الباب على مصراعيه مجددا لدعاة الطائفية كي يستهدفوا دعائم المجتمع المدني ويعملوا على تقويضها. يجب على المؤسسات المالية أن تعمل مع الحكومة وتطرح أفكارا بناءة من شأنها أن تصب في مصلحة قطاعاتها وتفيد المستثمرين، وتعود بالنفع على الشعب البحريني، وهذا هو الأهم.