الخرطوم وجوبا تودعان عملتيهما القديمتين

تاريخ النشر: 24 يوليو 2011 - 10:06 GMT
البوابة
البوابة

"أببا" بائعة شاي إثيوبية تعمل قرب مبنى السفارة الأمريكية القديم بالعاصمة السودانية الخرطوم، كان ظل السفارة يحميها من حملات البلدية وشراسة رجالها، لكنها بقيت تواجه هؤلاء الرجال "الأشاوس" بعد أن رحلت السفارة إلى مكان جديد وتركتها وحيدة بلا حماية.

واظبت أببا على تقديم الشاي لزبائنها، دون مشاكل تذكر لأن معظمهم مغرمون بنكهة الشاي التي تقدمها، وبالخدمة المميزة والأدب الجم الذي تعاملهم به، واجهت أببا صعوبات جدية قبيل خمس سنوات، بعيد تطبيق اتفاقية السلام وإلغاء الدينار السوداني، والعودة للجنيه.

تبديل العملة لم يربك أببا خلال عقد زماني أكثر من مرة فحسب، إذ تتوقع أببا ارتباكاً جديداً، وستجد نفسها مضطرة للتعامل مع عملتين جديدة وقديمة في ذات الوقت ابتداءً من مطلع الأسبوع المقبل، فأببا وعديد من الناس الذين واجهوا ارتباكاً متعدداً حين عاد السودان للتعامل بالجنيه بعد إلغاء الدينار يتخوفون مجدداً من تغيير العملة لأنهم مطالبون بالتعامل مع عملتين بنفس القيمة وبشكلين جديدين.

توجس أببا وزبائنها يخبئ خوفاً موروثاً من "تبديلات" العملة المتعددة التي شهدها السودان طوال تاريخ دولته، والذي قال عنه مدير البنك المركزي السوداني السابق لصحيفة "السوداني" أمس: "نحن أكثر دولة تعرضت عملتها للاستبدال، فكونّا خبرة كبيرة".

خوف أببا وتوجسها غير مقصورين على ارتباك تحدثه العملة الجديدة، وليس مقصوراً عليها وحدها، فسيرة "تبديلات" العملات السودانية الكثيرة تربك حياة الناس، وتفتح الباب أمام "مغامرات اقتصادية" كبرى:

مكايدات الـ "باكنووت"

تبدأ الأسبوع المقبل دورة جديدة من دورات "تغيير" العملة عقب ولادة دولة جنوب السودان من رحم المليون ميل التي كانت مساحة السودان. إذ أعلنت كلا الدولتين عن طرح عملتيها الجديدتين للتداول.

رغم أن اتفاقاً موقعا بينهما نص على استخدام دولة جنوب السودان لعملة السودان القديمة لفترة انتقالية قدرها ستة أشهر. بيد أن كلا الدولتين كانتا تبيّتان النية على مفاجأة الأخرى بطرح عملتها الجديدة.

فبعيد إعلان استقلالها مباشرة كشفت حكومة دولة جنوب السودان عن إصدارها لعملتها الخاصة وتحمل اسم جنيه جنوب السودان، وعرضت على الحكومة السودانية شراء العملات القديمة منها بالدولار. ورفضت السلطات المالية السودانية العرض الجنوبي وقالت إنها على استعداد لمبادلة الأوراق النقدية بالسلع، وليس بالعملات الاجنبية، وأرفقت مع رفضها الإعلان عن إصدارها هي الأخرى لعملة جديدة كانت قد أعدت لها سراً لإفشال ما أسمته "مؤامرة" حكومة جنوب السودان لإضعاف اقتصاد شمال البلاد.

وزعم مسؤولون ماليون في السودان بينهم وزير المالية ومدير البنك المركزي السوداني أن استبدال العملة الذي سيبدأ الأسبوع المقبل سيحيل ما بحوزة حكومة جنوب السودان من عملات إلى أوراق "تذكارية" لا تفيدها بشيئ، وتفشل مؤامرتها لتخريب الاقتصاد الشمالي.

تأريخ للعملات السودانية

حمل انقلاب يونيو 1989 "ثورة الإنقاذ الوطني" توجهاً إسلامياً واضحاً، وكان مشروعه للإصلاح السياسي والاقتصادي "المشروع الحضاري" يستبطن التاريخ الإسلامي في نظرته للحياة، وانسجاماً مع المشروع، جارى انقلابيو الإنقاذ التاريخ قدماً حذو نعل، فغيروا اسم العملة من الجنيه لـ "الدينار" باعتباره رمزاً إسلامياً، فيما يشير الجنيه ـ حسب تقديراتهم ـ لمرحلة الاستعمار البريطاني المصري.

بينما السبب الحقيقي لتغيير العملة كان محاربة التضخم المريع الذي شهدته البلاد تسعينيات القرن الفائت، وإعادة النقد للنظام المصرفي بعد أن زادت السحوبات وقلّت الإيداعات بصورة مخيفة، وتشككت قطاعات واسعة في البنوك والمصارف خوفاً من المصادرة والتأميم، فضلاً عن تدهور سعر العملة الوطنية الكبير بسبب العزلة المجيدة التي وجد النظام الإسلامي نفسه فيها.

عندما استلم إسلاميون السلطة، كان سعر صرف الجنيه السوداني يعادل اثني عشرة جنيهاً للدولار الواحد في السوق الرسمية، وفي السوق الموازية ست عشرة جنيها، ويحفظ الناس لرئيس اللجنة الاقتصادية وقتها اللواء صلاح كرار مقولته: "لولا لطف الله وثورة الإنقاذ، لبلغ سعر الدولار عشرين جنيهاً..!" فصارت مثلاً، وحمل هو من جراها لقب "صلاح دولار".

واصل سعر العملة عناده رغم الإجراءات القاسية التي بلغت حد الحكم بإعدام من يحوزون عملات أجنبية دون أوراق رسمية، وتجاوز سعر الصرف الـ (270) ديناراً للدولار الواحد، ولم تشفع فكرة تغيير الجنيه لدينار لسعر العملة، ما جعل تصريحات السيد "صلاح دولار" تتحول لنكتة تسخر من النظام وتتداولها مجالس المدينة سراً وجهرا..!

في سيرة النقود

وشهدت العملات السودانية تبديلات عديدة ارتبطت دائما بتقلبات السياسة، تتبدل العملة ويتغير شكلها مع تبدل الأنظمة السياسية، الرئيس الأسبق جعفر النميري كان أول من وضع صورته على الجنيه فترة حكمه، وتحتفظ ذاكرة السودانيين بنكتة شعبية فحواها أنه قال "من أبانا بقلبه سيجدنا في جيبه!"، لكن النقود التي تحمل صورته خرجت من التداول بعد الثورة الشعبية التي أطاحت حكمه، ضمن ما سمته القوى التي حلت محلة بـ "إزالة آثار مايو".

ويؤرخ للجنيه الورقي بفترة الإستعمار المصري/ البريطاني، الذي عرف السودان قبله جنيه الذهب المعدني في القرن التاسع عشر.