شهدت مدينة الإسكندرية فصلاً ختامياً مؤلماً لواحدة من قصص المعاناة الإنسانية التي هزت الوجدان العام، حيث فارقت صانعة المحتوى بسنت سليمان الحياة إثر سقوطها من علو شاهق بمنطقة سموحة، في حادثة لم تكن مجرد رحيل عابر، بل صرخة احتجاج أخيرة بثت مباشرة عبر الفضاء الرقمي. ففي الساعات الأولى من فجر الأحد، تحولت منصة "فيسبوك" إلى مسرح لمأساة حقيقية استمرت لقرابة ستين دقيقة، لخصت فيها الراحلة خيبات أملها في أقرب الناس إليها، موجهة عتاباً مراً لمن خذلوها في رحلة البحث عن السند والأمان، ومختتمة حديثها بوصية مكلومة تفيض بالأمومة تجاه أطفالها، قبل أن يسدل الستار على حياتها بارتطام مفجع قطع أنفاس المتابعين الذين عجزوا عن ثنيها عن قرارها اليائس.
هذا المشهد الدرامي استنفر الأجهزة الأمنية والقضائية، حيث باشرت نيابة سيدي جابر تحقيقات موسعة شملت التحفظ على هاتف الراحلة وتفريغ محتوى البث الذي وثق لحظات الوداع، مع استدعاء طليقها لاستجلاء طبيعة الخلافات العائلية التي قد تكون المحرك الدافع لهذه النهاية المأساوية. ولم تكن هذه الفاجعة وليدة اللحظة، بل هي امتداد لسنوات من "الحروب الصامتة" بدأت ملامحها في الظهور علناً منذ عام 2021، حين كشفت الراحلة في لقاءات تلفزيونية سابقة عن معاناتها مع "الهجر" والتعنت الأسري، وضغوط قانونية واجتماعية حالت دون استقرار حياتها وحياة طفلتيها، وسط مطالبات بتنازلات قاسية مقابل نيل حريتها القانونية.
وعلى المستوى الرسمي، أحدثت الواقعة صدمة دفعت وزارة التضامن الاجتماعي للتدخل بتصريحات حازمة، وصفت فيها ما تعرضت له الراحلة بـ "المكايدة الزوجية" التي تتنافى مع القيم الإنسانية، محذرة من استخدام حقوق الصغار في المسكن والنفقة كأوراق ضغط وتصفية حسابات شخصية. واعتبرت الدوائر الرسمية أن تأخر تحقيق العدالة في قضايا الأحوال الشخصية قد يلبس ثوب الظلم، مشددة على ضرورة حماية كرامة الأمهات وضمان حقوق المحضونين بعيداً عن صراعات الانفصال التي قد تؤدي إلى نتائج كارثية تعصف بكيان الأسرة والمجتمع.
في السياق ذاته، خيم الحزن والغضب على الأوساط الفنية والثقافية، حيث عبر سيناريستيون وفنانون عن استيائهم الشديد من حالة "التبلد الاجتماعي" التي رافقت ساعة البث الأخيرة، متسائلين بكثير من الألم عن غياب يد المساعدة في اللحظات الحرجة التي كانت فيها الراحلة تستغيث قبل الإقدام على فعلتها. وانتقد المبدعون تحول مآسي الآخرين إلى مجرد "تريند" أو مادة للمشاهدة دون تدخل إنقاذي حقيقي، معتبرين أن رحيل بسنت سليمان هو إدانة جماعية لكل من ساهم في إيصالها إلى حافة اليأس، سواء بالنميمة أو بالتعنت القانوني، وسط دعوات ملحة لتعديل التشريعات بما يضمن سرعة الفصل في منازعات الحضانة والسكن منعاً لتكرار هذا السيناريو الدامي.
د\
