النمو الاقتصادي في سوريا .. معلق وكل يفصله على مقاسه

تاريخ النشر: 21 يوليو 2011 - 10:24 GMT
يتهم فاروق الشرع نائب رئيس الجمهورية الحكومة السابقة بالتلاعب ببيانات النمو الاقتصادي في سوريا ونسبه
يتهم فاروق الشرع نائب رئيس الجمهورية الحكومة السابقة بالتلاعب ببيانات النمو الاقتصادي في سوريا ونسبه

كانت معدلات النمو الاقتصادي ونسبها أكثر المسائل إثارة للجدل، وأصبحت أشبه بلعبة شد الحبل، فلا الحكومة تقبل نقد وتشكيك الخبراء ولا هم يثقون بالأرقام، وهكذا أصبح معدل النمو الاقتصادي معلقاً وكل يفصله على مقاسه وله أدواته ووسائله، ولكن الجديد هذه المرة أن لعبة التشكيك خرجت من دائرة الخبراء والحكومة، وأخذت منحى آخر، ما يضع أكثر من إشارة استفهام حولها، بل إن عدم الثقة طولت "أبو الأرقام" وهو النمو الاقتصادي، والمثير أكثر أن التشكيك أيضاً جاء من شخص مسؤول في الدولة، حيث قال فاروق الشرع نائب رئيس الجمهورية إن بيانات النمو ونسبه كان يتم التلاعب بها من الحكومة السابقة، حيث كانت تقدمه على أنه بين 6-7 في المئة، في حين يؤكد الخبراء أنه لم يكن يتجاوز 3.5 في المئة.

الرد كان سريعاً من رئيس الحكومة السابقة المهندس محمد ناجي عطري في تصريح له حول اتهامات نائب الرئيس بأن حكومته قد تلاعبت بمعدلات النمو موضحاً أن النسبة التي تحدث عنها نائب الرئيس استندت إلى تقديرات جهات غير اختصاصية، مشيراً إلى أن النسبة الحقيقية التي صدرت عن المكتب المركزي للإحصاء كانت 4.9 في المئة، وهي نسبة قريبة مما أعلنته حكومته والتي قدرتها بأكثر من 5 في المئة بقليل.

كما أن المعني الأول بهذا الملف نائب رئيس مجلس الوزراء في الحكومة السابقة عبد الله الدردري دافع عن نفسه حول هذه الإشكالية بأن الحكومة لم تتدخل نهائياً في عمل المكتب المركزي للإحصاء سواء مع إدارته أم في آليات ونتائج عمله، والجهة المسؤولة ضمن الحكومة كانت ولاتزال هيئة التخطيط والتعاون الدولي، فالحكومة كانت تتسلم الرقم من المكتب والتحليل من الهيئة وبناء على ذلك كانت تقوم بتطوير الدراسات.

ويؤكد الدردري كلامه بأن معدل النمو مابين 2006 و 2009 كان 5.6% والرقم موجود على موقع المكتب المركزي للإحصاء، ولدى مغادرة الحكومة السابقة مناصبها لم يكن رقم 2010 قد صدر، وعندما أعلنت حسابات 2010 منذ فترة قريبة ظهر الانخفاض بسبب تراجع القطاع الزراعي ونقص الثروة الحيوانية.

أرقام على المحك فعلاً كانت الحكومة السابقة حددت في الخطة الخمسية العاشرة معدل النمو المستهدف بـ7 في المئة، بينما صرح نائب رئيس الحكومة السابق للشؤون الاقتصادية عبد اللـه الدردري بوجود مؤشرات إيجابية في الخطة ومنها تحقيق متوسط للنمو يصل إلى 5.5 في المئة.

خلاف على الآليات المكتب المركزي للإحصاء والمعني الأساس بإصدار أرقام النمو وأي أرقام أخرى، أكد صحة كلام حكومة عطري ونفى أن يكون تعرض لأي ضغط للتلاعب بأرقام النمو، غير أن الاتحاد العام لنقابات العمال، أكد أن نسبة معدل النمو  3.7 في المئة، كما أن البنك الدولي كانت له وجهة نظره حول هذه النقطة، حيث أعلن أن النمو في دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط للعام 2011 قد يتراجع بالنسبة إلى العام 2010 بسبب الاضطرابات السياسية في المنطقة، وحذر من أن النمو في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يدفع ثمناً باهظاً نتيجة الاضطرابات التي تشهدها المنطقة، وأضاف «في ما يتعلق بالمنطقة، ودول شمال أفريقيا والشرق الأوسط، فإن الانعكاسات قد تكون بحوالي 2.4 نقطة»وبناء على كل ما سبق يبقى سؤال محير..

ما هو معدل النمو الحقيقي؟ وما هي الآليات التي يتبعها كل طرف ليبني عليها أرقامه؟

وجهات نظر الأرقام التي يتحدث عنها المعنيون دخلت منذ سنوات في دهاليز الأخذ والرد حول صدقيتها فالخبراء يتحدثون عن اختلافٍ حول الرقم نفسه وصدقيته وبعضهم يتحدث عن ماهية هذا الرقم وطبيعته ليذهبوا إلى الحديث عن نموٍ غير حقيقي في قطاعات ريعية يحلو لهم وصفها بقطاعات الاقتصاد الوهمي وما تسببه من أزمة تضخمية انطلاقاً من مبدأ أساسي أن نمو القطاعات الريعية بشكلٍ أعلى من نمو القطاعات الإنتاجية سيشكل الأساس للاختلال الاقتصادي وبعض آخر من المراقبين يرى أن الجدل يجب أن يدور حول توزيع رقم النمو، بغض النظر عن نسبته فالأهم من وجهة نظرهم الشرائح التي استفادت من هذا النمو منطلقين من منطق توزيع الثروة وأي سلةٍ التي قطفت ثمار النمو، وفي مقابل كل هؤلاء المكتب المركزي للإحصاء الذي يعتبر الجهة المخولة إجراء المسوحات وتقديم البيانات والأرقام للاستناد إليها في الخطط التنموية ورسم السياسات القصيرة والبعيدة المدى وهو من هذا الموقع يرى نفسه بريئاً من أي تشكيكٍ في صدقية أرقامه لأنها مستندة إلى معايير عالمية موضوعة من قبل المنظمات الدولية فلا غبار على أرقامه ومن أراد أن يبحث، فأبواب المكتب مفتوحة للجميع، ووجهة النظر التي تأتي في المنتصف بين المشكك والمتأكد هي تلك القائلة إن لا خلاف حول صدقية أي رقم من أرقام الطرفين ولكن زاوية الرؤية وطريقة الحساب فقط هي التي تختلف وبالتالي ستنعكس على النتيجة النهائية، وبعيداً عن هذا الكلام أو ذاك، فالحقيقة القائمة اليوم أن رقم النمو الذي تحقق بقي دون الرقم المستهدف في الخطة الخمسية العاشرة وهو 7%.

أرقامنا صحيحة ما قاله نائب رئيس الجمهورية فاروق الشرع جهاراً نهاراً عن تلاعب الحكومة السابقة ببيانات النمو ونسبه لم يأت منفصلاً عن تقديراتٍ وأرقام تصب في نفس السياق، حيث أشارت التقديرات الأولية للاتحاد العام لنقابات العمال إلى النمو الاقتصادي في سورية قد بلغ في عام 2010 بحدود 3.7% بالأسعار الثابتة و6.4% بالأسعار الجارية.

فيما أشارت أرقام صندوق النقد الدولي إلى معدل نمو 5% في عام 2010 بالأسعار الثابتة، وأرفق تقرير الاتحاد أرقامه بتوضيحٍ حول أن الأرقام علاوةً عن تواضعها وعدم تعبيرها عن إمكانات الاقتصاد السوري هي أيضاً يشوبها سوء في توزيع الدخل الناتج عن هذا النمو.

غير أن الدردري يقول إنه لا يمكن أن يكون النمو 3.7% والبطالة 8.5% في النصف الثاني حسب مسوحات المكتب التي أعلنت بعد مغادرة الحكومة السابقة، لأن أهم انعكاس للنمو هو في التشغيل، ولو كان النمو 3.7 والذي يعادل معدل نمو العمل لكان من المستحيل أن تكون البطالة 8.5% بل كان يجب أن تصل إلى 12%.

منهجية عالمية  بعد كلام رئيس الحكومة السابق المهندس محمد ناجي عطري وتأكيده صحة الأرقام التي قدمتها حكومته حول أرقام النمو برز السؤال الأهم الذي يتداوله الشارع.. أي الأرقام إذاً سنصدق؟ كما بات السؤال الأكثر إلحاحاً حول صحة بيانات ومعطيات المكتب المركزي للإحصاء الذي أكد مديره الدكتور شفيق عربش لـ "بلدنا" أن معدلات النمو تحسب وفقاً لبيانات حقيقية ترد من المؤسسات والفعاليات الاقتصادية كلها يتم تجميعها من قبل المكتب المركزي للإحصاء والجهات الأخرى تأخذها عنه ويمكن للجميع الحديث عن تقديرات ولكن السؤال ما هو الأساس العلمي لهذه التقديرات؟ مؤكداً أنه لا يمكن التقدير من خلف المكاتب لأن الإحصاء علم قائم بحد ذاته ويوضح أن المنهجية التي يتبعها المكتب المركزي للإحصاء هي منهجيات الحسابات القومية المعتمدة في كل دول العالم والمقرة من اللجنة الإحصائية في الأمم المتحدة، مؤكداً أن البيانات الموجودة بتصرف الجميع.

تحييد عامل التضخم بما أن بعضهم يرجع أسباب الاختلاف حول رقم النمو إلى  طريقة الحساب، فيشير عربش إلى أن المكتب يستند في حسابه إلى رقم النمو الحقيقي بالأسعار الثابتة بعد تحييد عامل التضخم.

وفي رأي الخبراء أن الاختلاف هو خلاف حول زاوية الرؤية، ومن المجحف الحديث عن أي الرؤيتين هي الأصدق كما يؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور حميدي العبد الله، حيث يشير إلى أنه ليس هناك خطأ بقدر ما هو اختلاف في زاوية الرؤية وطريقة حساب النمو والسبب في هذا الاختلاف استخدام معايير مختلفة لذلك هناك تضارب في وجهات النظر وهو موجود في كل العالم، فهناك من يحيّد عامل التضخم من رقم النمو وهناك من يحسب عامل التضخم ضمن رقم النمو وبالتالي يمكن أن يكون هناك تضارب دون القول من على حق ومن على خطأ، فالطريقتان صادقتان، ولكن العبد الله يشير في الوقت ذاته إلى أن المقاربة العملية لأرقام النمو إذا كان الغرض منها ليس دعائياً وإنما للاستفادة في تطوير الاقتصاد فالأسلوب الأسلم هو اعتماد الطريقتين فأي حكومة تتحدث عن معدلات النمو يجب أن تقدم رقم النمو وفقاً للرؤيتين لأن الطريقة الأسلم لبلد مثل سورية هي أن تتم القراءة المزدوجة وفقاً للرؤيتين لتكون الحكومة صريحة وشفافة في الأرقام، يجب أن تحدد النمو الحقيقي العملي لترتقي بالاقتصاد.

ماهية النمو ضمن نقاش رقم النمو لا يمكن تحييد الاختلاف الذي نشأ خلال سنوات الخطة الخمسية العاشرة حول ماهية رقم النمو وطبيعته وتوزعه بين الاقتصاد الحقيقي والوهمي ليعتبر عربش أن مثل هذه المفاهيم مدمرة ويمكن أن تخلق بلبلة في قراءة أرقام النمو الحقيقي والوهمي، فالاقتصاد ليس فقط زراعة وصناعة فكل القطاعات العاملة في الاقتصاد مهمة وتدخل في حساب النمو ولكن من الممكن أن يكون نمو القطاعات الخدمية عالياً ويرجع عربش السبب إلى أنه قبل أربع سنوات لم تكن هذه القطاعات داخلة في الاقتصاد السوري بعد ولكن دخولها أبرزها مرحلياً في الاقتصاد، فهي قطاعات جديدة انطلقنا فيها من الصفر هذا ما جعل أرقامه ومعدلات نموه مرتفعة فتواترها في البداية يكون عالياً ولكن نموها لا يؤدي إلى أزمة تضخمية كما يرى بعض الخبراء متسائلاً ما فائدة الصناعة والزراعة لوحدهما؟ فمثلاً المصارف تمول النشاط الإنتاجي، حيث تسعى لتجميع المدخرات وضخها في الاقتصاد لتفعيل عجلته.

وعند نفس الفكرة يلتقي العبد الله مع عربش الذي يقول إن النقاش من منطلق ماهية النمو غير صحيح فلا يجب أن يكون هناك تمييز بين القطاعات الريعية والإنتاجية في الاقتصاد فالقطاع الثالث لا يمكن أن يزدهر إذا لم يكن هناك ازدهار شامل فالسياحة مثلاً ستكون قاطرة للقطاعات الإنتاجية وغيرها لذلك لا يمكن الفصل بين الريعي والإنتاجي.

مطبات رقمية وحتى لا تقع الحكومة الحالية في مطبات الأرقام، خاصة في ما يتعلق بمعدلات النمو الاقتصادي لأن الأهم في كل هذه العملية الحسابية هو توزيع ذلك النمو مهما كان حجمه بشكل صحيح وعادل ومتساو على كافة شرائح المجتمع، فرغم أهمية نسبة النمو، لأنه يعطي مؤشراً على حسن سير الاقتصاد الوطني، غير أن الأهم هو التوزيع وبصورة أدق استفادة المواطن من هذا النمو، وحول هذه الإشكالية حول نسب النمو وما أثير حولها من لغط، فإن الدكتور رسلان خضور خبير اقتصادي يرى أن المكتب المركزي للإحصاء هو المؤهل لإنتاج وإعطاء أرقام إحصائية وقد لا تكون دقيقة مئة في المئة ولكن في النهاية يعتبر الجهة الوحيدة التي يحق لها أن تصدر بيانات وأرقاماً إحصائية وحتى الجهات والمنظمات الدولية يجب أن تبني أرقامها بناء على ما يصدر عن المكتب المركزي للإحصاء.

وأضاف خضور أن معدلات النمو ليست مهمة بقدر أهمية كيفية توزيعها وأين تركزت معدلات النمو وما هي القطاعات التي نمت، حيث لاحظنا خلال الفترة الماضية أن النمو كان يتركز في قطاعات المصارف والتأمين وتراجعت معدلات النمو في قطاعات الزراعة والصناعة، حيث إن الاستثمارات في المجال الزراعي لم تتجاوز 3% وكذلك الحال بالنسبة لنمو الصناعة لم يكن جيداً، بسبب الإهمال الذي طاول هذين القطاعين.  وأكد الخبير الاقتصادي بأنه خلال الفترة الماضية فئة قليلة جداً استفادت من معدلات النمو بسبب سوء توزيع الدخل وقد يكون فعلاً معدل النمو قريباً من 5% لكن فئة قليلة جداً شعرت بذلك بسبب السياسات الخاطئة في توزيع الدخل، الأمر الذي أدى إلى ضياع معدلات النمو وتركزها في فئات قليلة، وبالعموم فإن معدلات النمو الاقتصادي يجب أن تكون أعلى بكثير من معدلات النمو السكاني من أجل تحقيق تنمية حقيقية.