بعد أشهر من الإطاحة بنظاميهما الدكتاتوريين، وُعِد المصريون والتونسيون بمساعدات مالية كبيرة من جانب المجتمع الدولي، فتعهدت مجموعة الثماني خلال الفترة الأخيرة بتقديم 12 مليار دولار في صورة مساعدات، وقروض، وإعفاءات من الديون. وبات تكديس الأموال فوق هذين البلدين حكمة مسلماً بها.
والحقيقة هي أنها يمكن أن تؤدي إلى أذى يفوق مزاياها.
إن سجل مساعدات التنمية يتركنا مع كثير مما هو مرغوب فيه. فقد سعى المانحون غالباً خلال العقود الستة الماضية إلى إحداث نمو من خلال تمويل البنية التحتية، والزراعة، والخدمات الاجتماعية، لكن بنجاح قليل.
وغالباً ما تتبع منظمات التنمية أنموذج تخطيط مركزي معيب، بينما يشهد التاريخ على أن الطريقة التي تعمل بها الخطط العظمى للقلة نادراً ما تنجح، في حين تنجح حرية الأغلبية في إنقاذ مجتمع بعد آخر من الفقر إلى الرخاء. إن المليارات التي جرى التعهد بتقديمها لمساعدة مصر وتونس ستجعلنا مجدداً نشاهد المسؤولين المتنفذين وهم يقررون طريقة الإنفاق.
ومما لا شك فيه أنهم سيباشرون الإنفاق على الاستثمارات الكبرى، مثل الخطة التي قدمت إلى مجموعة الثماني من جانب مجموعة من التكنوقراط التونسيين تهدف إلى إنفاق 20 - 30 مليار دولار على النقل، والبنية التحتية، والمناطق الصناعية ''لفتح وربط أقاليم البلاد''.
ومع ذلك، ليس من الواضح لماذا يريد المصريون والتونسيون السير على هذا الطريق مرة أخرى، في ظل السجل التعيس لمبادرات مماثلة ليس أقلها في مصر وتونس.
إذا قامتا بذلك، فإن الأسوأ سيأتي؛ سيضغط عبء الديون الجديدة على الميزانيات المستنزفة بالفعل.
والنتيجة المحتملة هي زيادة الضرائب، والرسوم الجمركية، مع ما يرافق ذلك من أزمات مالية، وعلى صعيد العملة، بينما تخفض الحكومتان ثروة شعبيهما لسداد أموال الدائنين الدوليين.
وسرعان ما تتم التضحية بالسيادة على مذبح موعد تسديد الديون، مثلما تكتشف بعض الحكومات الأغنى في الوقت الراهن. ربما يكون الأمر الأكثر أهمية هو أن للمساعدات آثارها السياسية كذلك.
ويبدو أن أولئك المطالبين بدعم جديد ينسون أن النظامين المخلوعين تلقيا بالفعل كثيراً من أموال المساعدات الدولية.
وتزعّم زعيماهما، تنفيذاً لتوصيات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، برامج التخصيص المكثفة والإصلاح التي استفاد منها المقربون من السلطة، لكنها فعلت القليل لمساعدة عموم الناس.
والواقع أن النظامين السابقين كانا يميلان إلى استخدام هذا الدعم لتعزيز حكمهما، وإقامة أجهزة أمن الدولة، وتشكيل حكومات نهب لا يسائلها سوى دائنيها من المصرفيين الأجانب. أما وإن قيادة تونس ومصر الآن، في أيدي حكومتين مؤقتتين لتصريف الأعمال، فإن الخطر هو أن السلطة الناجمة عن السيطرة على هذا الإنفاق ستدمر تحولهما الديمقراطي غير ثابت الأسس.
وتعني برامج المساعدات السخية أن الزعماء ليسوا بحاجة إلى إرضاء مواطنيهم، أو الحصول على ثقتهم لضمان وجودهم في السلطة، ويمكنهم، بدلاً من ذلك، استخدام أموال المانحين لإقامة دولة أمن وشراء معارضة المواطنين.
لكن من دون المساعدات ستجد الحكومتان أن من الصعب عليهما تكوين شبكات فساد، وسيكون عليهما بدلاً من ذلك الاستجابة لمطالب شعبيهما.
ربما يكون الأفضل تأجيل تقديم المساعدات إلى حين الانتهاء من الانتخابات وتشكيل الحكومتين المنتخبتين، بل الأفضل حتى من ذلك أن يكون المانحون مستعدين لطرح مسألة التمويل على الشعب في استفتاء عام، الأمر الذي يتيح له اختيار ما إذا كان حقا يريد مشاريع اليوم والديون غداً.
والواقع أنه في ظل العلاقة القوية بين المانحين والنظامين المخلوعين ليس من المستحيل تصور أن تؤدي الانتخابات الحرة إلى بروز قيادات جديدة ترفض التمويل الجديد وتهدف بدلاً من ذلك إلى تقليص المساعدات الخارجية والديون، أو التخلص منها. ومن دون ذلك، فإن حالة من الفشل السياسي وعبئاً ثقيلاً من الديون هما ما يمكن أن تنتهي إليهما تونس ومصر بعد توزيع أموال المانحين.
لكن شعبا البلدين انتفضا ضد دكتاتوريين غير خاضعين للمساءلة، ساعدهما هذا السخاء تحديداً.
ويستحق الشعبان الآن فرصة أن يقررا بإرادتهما ما إذا كانا يريدان دس الأمر نفسه لطبقتيهما الحاكمتين.
