تحرك الرئيس الامريكي دونالد ترامب، لإنهاء الصراع الداخلي بين صهره جاريد كوشنر وكبير الاستراتيجيين في الادارة الجديدة ستيف بانون اللذين تدور بينهما معركة طاحنة لفرض النفوذ في البيت الأبيض.
للحظات قصيرة صباح الاثنين، بدا وكأن موظفو البيت الأبيض يستمتعون بوقتهم بعد ان ساد الابتسام والتربيت على الكتف وحل محل التوتر والفوضى والارهاق الذين عانت منه إدارة ترامب طوال الايام الثمانين الماضية.
وتجول عدد من كبار مساعدي الرئيس ومن بينهم راينس بريباس وستيف بانون وشون سبايسر وكيليان كوناي – في ارجاء حديقة الورود في البيت الأبيض بانتظار أداء القسم التاريخي لنيل غورستش قاضي المحكمة العليا الذي عينه ترامب تحت سماء الربيع الصافية فيما كانت فرقة المارينز تعزف الحاناً موسيقية.
وقال ترامب عن انتصاره السياسي الكبير بتعيين غورستش “لقد سمعت دائماً أن أهم شيء يفعله رئيس الولايات المتحدة هو تعيين أشخاص .. وخاصة اشخاص عظماء كتعيين قاض في المحكمة العليا الامريكية”.
وأضاف “لقد فعلت ذلك في الايام المئة الاولى”.
ولكن خلال هذه الايام المئة لم تكن الحياة داخل الادارة الامريكية هادئة وهانئة.
فرغم أن موظفي أية ادارة في البيت الأبيض يشعرون بالتعب والارهاق، إلا أنه وبعد مرور وقت قصير فقط من وجود ادارة ترامب في الحكم الذي يستمر أربع سنوات، يبدو الموظفون في غاية الارهاق من الاحداث الدرامية التي شهدها البيت الابيض وتطلبت عمليات تبدبد سوء الفهم الذي يخلفه ترامب بشكل مستمر.
وفي كلمة مرة يجري فيها تغيير جديد بين الموظفين تتدفق الدموع وينفجر الغضب، كما حدث في الخروج السريع لنائبة مديرة المتوظفين كاتي وولش.
وإضافة إلى ذلك هناك الصراع الداخلي.
خلال حملة انتخابات الرئاسة العام الماضي طغى الهدف المشترك لهزيمة المرشحة الديموقراطية هيلاري كلينتون على الخلافات بين انصار ترامب بين الجمهوريين المعتدلين والمتشددين ومناصري العولمة والقوميين.
ولكن من اليوم الاول في البيت الأبيض اشتبكت هذه الجماعات المختلفة ايديولوجيا في صراعات وتسريبات هددت بوقف عملة الادارة بأكملها.
وتحدث الاعلام عن كل تفصيل من المخططات والمؤامرات داخل الادارة الجديدة لتخلق انطباعا بأن البيت الأبيض في حالة يرثى لها.
- صاحب القرار -
قرر ترامب مؤخراً أن ما حدث يكفي وأمر صهره كوشنر ومساعده بانون اللذين أصبحا يمثلان مركزي قوة في البيت الأبيض بتسوية خلافاتهما، بحسب ما ذكر مسؤولون.
وفي اجتماع في وقت لاحق من الاسبوع الماضي، حاول الرجلان التسوية بين موقف بانون القومي وسياساته الشعبوية، ورؤية كوشنر الأكثر عولمة واعتدالاً.
ولكن هذا الامر لن يكون سهلاً، فقد تمكن كل منهما من اكتساب نفوذ هائل داخل البيت الابيض.
فمن خلال موقعه ككبير الاستراتيجيين في الادارة الجديدة اكتسب بانون السلطة من خلال المساعدة في تحقيق ترامب لنصره الانتخابي الصادم، لدرجة أنه تفاخر بين أوساطه الخاصة في بداية تولي الادارة الجديدة الحكم بأنه اختار اعضاء حكومة ترامب بنفسه.
وانتشرت ملصقات في المناطق التي يهيمن عليها الديموقراطيون في واشنطن تدعو الى تنحية “الرئيس بانون”.
وقد حظي بانون كذلك بمقعد في مجلس الامن القومي الذي يقرر في شؤون الحروب والسلام والسياسة الخارجية، رغم أنه تلقى مؤخراً نكسة كبيرة بخسارته موقعه هذا، في مؤشر إلى تعديلات جارية في أعلى هرمية البيت الأبيض بعد بدايات اتسمت بالفوضى.
ولكن كوشنر من جهته يتمتع بميزة أنه جزء من عائلة ترامب كونه زوج ابنته ايفانكا. واستفاد من هذه الميزة بتكليفه بقضايا مهمة من بينها التوصل الى سلام في الشرق الاوسط واصلاح الحكومة الفدرالية.
وأسهم كوشنر في تولي معتدلين مناصب في الادارة مثل المديرين التنفيذيين السابقين في شركة غولدمان ساكس المالية غاري كوهن ودينا باول.
وتزامن صعودهما مع تباطؤ ترامب في تنفيذ بعض وعوده المتعلقة بالتجارة الحمائية مثل الانسحاب من اتفاق التبادل التجاري الحر في اميركا الشمالية (نافتا) الذي وصفه الرئيس الامريكي بانه “كارثة”، اضافة الى فرض تعرفات جمركية واسعة، ووصفه الصين بأنها تتلاعب بالعملة.
وبالنسبة للعديد من انصار بانون فإن انصار كوشنر هم “ديموقراطيون” غزاة في البيت الابيض الجمهوري إذ أنهم احبطوا وعد ترامب بالقتال بضراوة من أجل الطبقة العاملة من البيض.
وتزايد الكشف العلني عن الصراع بين بانون وكوشنر في الأسابيع الخيرة، حيث اتهم انصار بانون صهر الرئيس بتسريب معلومات تجعل من بانون (63 عاماً) يبدو في صورة سيئة.
من ناحية اخرى فقد شن موقع “بريتبارت” الاخباري اليميني المتطرف انتقادات حادة ضد كوشنر وابرز اخفاقه في الابتعاد عن مصالحه في الاعمال وركز على “سجله الضعيف في الدبلوماسية”.
وبشأن رأي ترامب حول ما وصفه بالخلافات بشأن “السياسة” بين الرجلين، قال المتحدث باسم البيت الابيض شون سبايسر “اعتقد أنه يدرك أن بعض هذه الخلافات يتسرب”.
- إدارة الفوضى -
ورغم ذلك فإن بعض التوترات في البيت الابيض هي من صنع يد ترامب.
فقد علمته سنوات خبرته كرجل أعمال أن يفضل نهج “البقاء للاقوى” في الادارة، وهو ما يطبقه على إدارته في البيت الأبيض.
قال سبايسر أن “السبب الذي دفع الرئيس الى تشكيل هذا الفريق هو الحصول على مجموعة منوعة من الآراء”.
وأضاف ان ترامب “لا يريد عملية فكرية واحدة في البيت الأبيض”.
ويبدو أن الخطر من ذلك ليس كبيراً. ولكن في حال أخفق ترامب في جهوده لتسوية الخلافات السياسية داخل إدارته، فإن الايام المشمسة في “حديقة الورود” ستكون قليلة جداً.
